السيد محمد حسين فضل الله
67
من وحي القرآن
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً وَلِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم السابقة جَعَلْنا مَنْسَكاً تتمثل فيه العبادة للّه ، ويقدم فيه القربان الإلهي ، وتذبح فيه الأنعام طاعة للّه . . فقد شرّع اللّه ذلك في الأديان السابقة بطريقة قد تلتقي بتشريعات الإسلام ، وقد تختلف عنها لجهة خصوصيات المكان والزمان والتصرف ، لأن معاني العبادة الإيحائيّة تتنوع لجهة حركة الجسد في القيام والركوع والسجود ، وفي الإنفاق ، وفي الامتناع عن الطعام والشراب ، وفي ذبح الأنعام التي رزقهم اللّه إياها لمنافعها ، حيث يقومون بتقديمها إليه ، كرمز للشكر على هذه النعمة التي تقيم حياتهم وتقوّيهم ، أو كهديّة رمزيّة ، أمام طلباتهم التي يريدون منه الاستجابة لها ، أو ما إلى ذلك ، مما لا يبتعد عن مصلحة الإنسان في الانتفاع بها بعد ذلك ، لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فعليهم أن يذبحوها للّه ، لا للأصنام ، ويذكر ما ، عليها اسمه ، دلالة على الإخلاص له ، فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فلا تشركوا به شيئا في العقيدة والعمل ، فَلَهُ أَسْلِمُوا أمركم كله في الكلمة والممارسة ، في ما يعنيه الإسلام هنا من الخضوع والانقياد والاستسلام لكل أوامر اللّه ونواهيه . وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الخاشعين للّه المتواضعين له ، المنفتحين على عظمته ، الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ في خوف عميق يستشعرونه في تصوّرهم العميق الممتد في الحياة للأسرار الخفيّة والظاهرة لمواقع العظمة في خلقه ، فيقودهم ذلك إلى الخضوع لإرادته خوفا من عقابه الذي لا يفلت منه أحد ، وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ المتماسكين أمام التحديات الكبيرة في الحياة ، وأمام ما يحل بهم من بلاء مادي أو معنوي في أنفسهم وفي أهليهم وفي أموالهم ، وذلك بسبب الإيمان الضارب في أعماق الذات الذي يشكل